نظرة خلف كواليس القرية الأكثر شهرة في العالم
هالشتات – هذا الاسم يوقظ الأحلام. من المياه المتلألئة، والمنازل الملونة على ضفاف البحيرة، والمحاطة بالجبال الشاهقة. مكان جميل جدًا لدرجة أنه تم تقليده عالميًا. مكان يُصوَّر آلاف المرات، ويُصوَّر بالفيديو، ويُعجَب به كل يوم.
ومع ذلك، فإن هالشتات ليست متحفاً مفتوحاً، وليست مجرد ديكور سينمائي، بل هي قرية؛ بناسها الحقيقيين، وقصصهم الواقعية، وتحدياتهم اليومية.
بينما تصل الحافلات يومياً من جميع أنحاء أوروبا، وبينما تنقل القوارب السياح إلى الضفاف، وبينما تتوجه كاميرات الهواتف الذكية نحو كل تفصيل – يعيش هنا حوالي 760 شخصاً.
يستيقظون في الصباح، يذهبون إلى أعمالهم، يوصلون أطفالهم إلى المدرسة، يشترون الخبز، ويسقون نباتاتهم.
ولكن، كيف يعيش المرء في مكان تسلط عليه الأضواء باستمرار؟
كيف يكون الشعور عندما تتحول حديقتك الخاصة إلى خلفية للتصوير، وطريق مدرستك إلى “نقطة إنستغرام” مشهورة؟
هذا المقال ليس دليلاً سياحياً تقليدياً؛ فهو لن يقودك إلى منصات المشاهدة أو نقاط التصوير الشهيرة، بل سيأخذك في رحلة عبر تفاصيل حياة الأشخاص الذين يسكنون هالشتات.
نظرة صادقة خلف الكواليس. تغيير للمنظور. قطعة حقيقية من هالشتات – بعيداً عن عصا السيلفي.
هالشتات بالأرقام – عدد سكان أقل مما تعتقد
من يتجول في أزقة هالشتات، قد يظن للوهلة الأولى أنها بلدة صغيرة تعج بالحركة ويسكنها الكثيرون – لكن المظاهر خداعة؛ فهالشتات لا تضم سوى نحو 760 نسمة فقط. هذا عدد أشخاص أقل مما يصل على متن سفينة سياحية واحدة في يوم صيفي واحد.
هذا الرقم يبدو عبثياً تقريباً، إذا ما قارناه بحقيقة أن عدد السياح الذين يزورون المكان في أيام الذروة يصل إلى 10,000 سائح. وبالنسبة والتناسب، هذا يعني: مقابل كل ساكن محلي، هناك 13 زائراً – وهذا يحدث كل يوم
تُعد التركيبة السكانية هنا نموذجية للعديد من المناطق الريفية في النمسا:
أكثر من 30% من السكان تتجاوز أعمارهم 65 عاماً.
حوالي 15% فقط هم من الأطفال أو الشباب.
يغادر الكثير من الشباب هالشتات بعد إنهاء المدرسة؛ فهم يذهبون للدراسة الجامعية، أو للعمل في المدن، ويبنون حياتهم في أماكن أخرى.
ومع ذلك، تجذب هالشتات أيضاً سكانًا جُدداً؛ أشخاصاً من ألمانيا، وأوروبا الشرقية، أو حتى من آسيا. البعض منهم وقع في حب المكان خلال رحلة سياحية، والبعض الآخر جاء بحثاً عن هدوء الشتاء أو رغبةً في نمط الحياة الهادئ والبطيء.
تقول دانا (46 عاماً): “انتقلتُ للعيش هنا عام 2012 قادمةً من بوخارست. لقد علمتني هالشتات أن الصمت يمكن أن يكون ثراءً أيضاً – ليس ثراءً مادياً، بل داخلياً”.
وهكذا ينشأ توازن دقيق بين القديم والجديد، بين النزوح والاستقرار، بين الجذور العميقة والبدايات الجديدة – في قرية هي أصغر بكثير مما يعتقده معظم الناس.
الحياة اليومية في قرية لا تنام أبداً
في الصباح الباكر، تبدو هالشتات مكاناً مختلفاً تماماً؛ حيث ينساب الضباب فوق البحيرة، وتتصاعد أدخنة مواقد الحطب من المداخن، بينما تتعالى صرخات طيور النورس، ويُسمع نباح كلب في الأفق البعيد. في هذه الساعة، تذكرنا هالشتات بما كانت عليه يوماً ما: قرية جبلية هادئة.
لكن هذا الهدوء سرعان ما يتلاشى.
بدايةً من الساعة التاسعة صباحاً تقريباً، تبدأ “حالة الطوارئ” اليومية؛ حيث تصل أولى حافلات الرحلات السياحية، وترسو تصل الحافلات السياحية الأولى، وترسو القوارب، ويتدفق الزوار من جميع أنحاء العالم عبر الأزقة الضيقة. ما كان يبدو كقرية يتحول إلى مسرح.
بالنسبة للسكان المحليين، يبدأ هنا صراع التوازن بين تفاصيل حياتهم اليومية وموجة السياحة العارمة:
تتحول الرحلة إلى السوبر ماركت إلى ما يشبه “سباق التعرج” بين عصي السيلفي.
تتحول نزهة المشي مع الكلب إلى عبورٍ بين مجموعات من السياح الذين يلتقطون الصور أمام واجهات المنازل.
تمر شاحنة جمع النفايات بصعوبة بين “جلسات التصوير” المستمرة في الشوارع.
يضطر الأطفال للذهاب إلى المدرسة عابرين من أمام السياح الذين يقومون بتصويرهم أثناء ذلك.
تقول آنا (34 عاماً)، التي تعيش مع عائلتها على مقربة من ساحة السوق: “الصباح ملك لنا؛ حينها تكون هالشتات هادئة ومألوفة. لكن ابتداءً من التاسعة، يرتفع الضجيج، وتتحول قريتنا إلى مجرد ديكور (خلفية للتصوير)، وعلينا نحن أن نجد طريقة للمناورة والحركة وسط كل ذلك“.
يطوّر الكثير من السكان روتينًا خاصًا لتجنب هذا الزحام: قضاء الاحتياجات والتسوق في الصباح الباكر، تحديد المواعيد خارج أوقات الذروة، والتنزه فقط في الأماكن الأقل شهرة.
ومع ذلك، يظل هناك شعور ملازم: أنك تعيش في مكان لا يخصك تماماً أبداً.
الخصوصية مقابل صورة البطاقة البريدية – صراع يومي من أجل التوازن.
مَن يسكن في هالشتات يجد نفسه، دون رغبة منه، تحت الأضواء الدائمة. تلك الأزقة الجميلة، الشرفات الخشبية العتيقة، والنوافذ المزدانة بالزهور؛ ليست مجرد تفاصيل من حياتهم اليومية، بل تحولت منذ زمن طويل إلى “ديكور” عالمي.
لكن أين ينتهي الجمال – وأين يبدأ الانتهاك؟
يتحدث السكان المحليون عن قيام السياح بالوقوف في مداخل المنازل الخاصة، أو التقاط صور عبر نوافذ المطبخ، أو تصوير أبواب البيوت دون استئذان. بل إن البعض يجلس على المقاعد الخاصة التابعة للمنازل، وكأنها جزء من معرض عام.
يقول يوزيف (59 عاماً)، وهو من مواليد هالشتات:
“ذات مرة، وجدْتُ رجلاً واقفاً في حديقة منزلي. سألته عما يفعله هناك، فأجاب: ‘ظننتُ أن هذا المكان يتبع المتحف‘. لم تكن هذه دعابة، بل كان يتحدث بجدية تامة.”
في هذه الأثناء، قام العديد من السكان باتخاذ ردود فعل حيال هذا الوضع:
يعلقون لوحات على الأسوار مكتوباً عليها: “ملك خاص – يُرجى الاحترام”.
يقومون بتغطية النوافذ بستائر معتمة تحجب الرؤية تماماً.
البعض بات يتخلى تماماً عن تزيين نوافذهم بالزهور؛ فكثرة الأيادي الغريبة التي تمتد لتصويرها أصبحت أمراً لا يُطاق.
وفي الوقت ذاته، يدرك الكثيرون:
تجلب السياحة لهم الدخل أيضاً. ماريا، زوجة يوزيف، تدير متجراً صغيراً في ساحة السوق، حيث تبيع الصابون المصنوع يدوياً، ومنتجات الملح، والشموع.
تقول ماريا (56 عاماً): “أنا أحب متجري، فبدون السياح لم يكن لكل هذا أن يستمر. لكنني أتمنى أحياناً لو أحظى بيوم واحد فقط بدون كاميرات.. يوم واحد لا غير.”
بين الفخر والشعور بالإرهاق – هكذا تبدو الحياة في هالشتات غالباً. فمن ناحية، هناك إعجاب وانبهار من العالم أجمع، ومن ناحية أخرى، هناك ذلك الشعور الصامت بأنك لست حقاً بعيداً عن الأنظار أبداً.
الأطفال والمدرسة – النشأة في قلب التراث العالمي لليونسكو
تمتلك هالشتات مدرسة ابتدائية صغيرة، تقع بعيداً قليلاً عن الزقاق الرئيسي، ويحميها سياج حديقة صغير. يرتادها حوالي 20 طفلاً فقط، مما يخلق بيئة مألوفة يعرف فيها الجميع بعضهم البعض.
لكن التعلم هنا يتم في بيئة استثنائية للغاية: بين مواقع التراث العالمي، وحشود السياح، ومنصات التصوير الشهيرة.
تقول لينا (10 سنوات): “عندما نكون في الملعب، يقف الناس أحياناً بجانبنا ويقومون بتصويرنا. هذا أمر غريب حقاً، وأحياناً يلوحون لنا بأيديهم أيضاً.”
ما يبدو كبادرة بريئة هو أمر محير للعديد من الأطفال – ومرهق للآباء.
لأن معدات اللعب ليست موقع تصوير. الطريق إلى المدرسة ليس مشهدًا. والطفل ليس جزءًا من مشهد مدينة.
تضيف والدة لينا:
“علينا أن نشرح مراراً أن هالشتات ليست منتزهاً ترفيهياً (Theme Park). هنا يعيش بشر. ومن حق أطفالنا أن ينش أوا بشكل طبيعي – دون أن يكونوا تحت المراقبة المستمرة.”
يحاول المعلمون خلق “مساحات آمنة” للأطفال؛ من خلال طقوس يومية صغيرة، واهتمام كبير بكل ما هو شخصي، وتركيز واضح على روح الجماعة. وحتى الأطفال أنفسهم بدأوا يطورون حساً خاصاً يدركون من خلاله متى يتجاهلون الأنظار فحسب، ومتى يتوجب عليهم وضع حدود واضحة.
ومع ذلك، يبقى المأزق قائماً:
كيف يمكن للمرء أن يشرح لطفل بأن منزله الذي يعيش فيه هو بالنسبة للآخرين مجرد عرض مبهر؟
بالنسبة للكثيرين، يبقى الأمر بمثابة رقصة توازن بين طفولة القرية البسيطة ومنصة العرض العالمية. وبالنسبة لبعض الآباء، ينتهي الأمر باتخاذ قرار بالانتقال في النهاية إلى مكان أكثر هدوءاً؛ إلى “أوبرتراون” أو “باد غويسرن” أو حتى أبعد من ذلك.
الكبار وهالشتات القديمة – ذكريات من حياةٍ أخرى
يقول فرانس (78 عاماً)، الذي يجلس كل يوم تقريباً في وقت بعد الظهيرة على مقعده “الخاص” المطل على البحيرة، مرتدياً سترة رمادية وقبعة، وفي جيب جاكيتته منديل قماشي مجعد: “عندما يلقي السياح التحية بود، أومئ لهم برأسي بكل أدب في الغالب، وأحياناً أتبادل معهم أطراف الحديث”.
“قديماً، كانت هالشتات قرية فقيرة. لم يكن لدينا سوى الملح والخشب وشتاءات قاسية. لم نكن نملك شيئاً غير ذلك.”
يتذكر زمناً كان فيه يتجمد وجه البحيرة في الشتاء، فيخرج الأطفال للتزلج عليها. يتذكر الصيف، حين كانت القوارب تُستخدم للصيد فقط – لا من أجل قصص الإنستغرام (Instagram Stories).
“كنا نعمل بأيدينا في الماضي. لم يكن هناك مال، لكن كان هناك هدوء. وكنت تعرف كل شخص في القرية.”
اليوم، اختلف كل شيء. لقد تحولت القرية إلى وجهة سياحية عالمية، والعديد من أصدقائه رحلوا، إما بالانتقال إلى أماكن أخرى أو بالوفاة. وجوه جديدة تأتي، يبقى بعضها لبضع سنوات – والبعض الآخر لا يبقى إلا من أجل التقاط صورة واحدة.
ومع ذلك، يبقى فرانس. لأنه وُلد هنا، ولأن تاريخه كله يكمن هنا. ولأنه حتى بين عصي السيلفي وصخب الزحام، لا تزال الذكريات تهبُّ عبر الأزقة.
“سأبقى هنا. حتى وإن كنت أحياناً لا أكاد أعرف هالشتات. إنها قريتي، وقلبي معلق بها.”
إنه ليس وحيداً. فالكثير من كبار السن يبقون أيضاً – بدافع الارتباط، والفخر، والاعتياد. إنهم يمثلون الذاكرة الحية لهذا المكان.
لكن هالشتات الخاصة بهم لم تعد كما كانت عليه من قبل.
ومع ذلك – ربما تكمن حقيقته في هذا الأمر تحديداً:
أن يتغير المكان. وأن يبقى الناس فيه، فقط ليتذكروا كيف كان يوماً ما.
السياحة – مصدر رزق وعبء في آنٍ واحد
تعيش هالشتات على السياحة، وهذا أمر لا جدال فيه. فلولا تدفقات الزوار اليومية، لما وجدت المقاهي، ولا متاجر الهدايا التذكارية، ولا الجولات السياحية المنظمة. تحافظ السياحة على استمرار اقتصاد المكان وتوفر فرص عمل في منطقة كان يهددها خطر الهجرة سابقاً.
لكن الثمن مقابل ذلك باهظ، وليس فقط بالمعنى المجازي.
الحقائق:
شقة مستأجرة بمساحة 50 متر مربع في هالشتات غالباً ما تكلف أكثر من 1500 يورو شهرياً – وهو مبلغ لا يستطيع الكثير من السكان المحليين تحمله.
حركة المرور مكتظة. الشوارع التي بُنيت لبضع عشرات من المركبات، يجب أن تتحمل المركبات، باتت مضطرة اليوم لاستيعاب آلاف السيارات والحافلات يومياً.
الضجيج، النفايات، والازدحام – كل هذا يلقي بظلاله على البنية التحتية ويضغط على أعصاب السكان.
ماريا، صاحبة المتجر في ساحة السوق، تقول: “لقد تعلمتُ أن أحب السياحة وأكرهها في آنٍ واحد. فلولاها لما وُجد متجري، لكنني قضيتُ أيام آحادٍ كاملة في العمل فقط ليشاهدني الناس وأنا أصوّر الصابون – دون أن يشتروا شيئاً.”
تأقلم بعض السكان المحليين مع هذا الواقع:
يؤجرون غرفاً عبر منصات مثل Airbnb.
يعملون كمرشدين سياحيين أو ينقلون الضيوف إلى نقاط الإطلالات البانورامية.
يبيعون منتجات محلية – الملح، السيراميك، والمشغولات اليدوية.
آخرون ينسحبون – أو يرحلون بعيداً.
لأن العيش في بؤرة سياحية مزدحمة ليس نمط حياة مناسب للجميع على المدى الطويل.
البعض يبحث عن الهدوء، والمساحة، وعن مدرسة تخلو من المصورين؛ وهم يجدون ذلك في القرى المجاورة مثل أوبرتراون (Obertraun)، وباد غويسرن (Bad Goisern)، وغوزاو (Gosau).
وعلى الرغم من كل شيء، فإن السياحة بالنسبة لهالشتات هي أكثر من مجرد عامل اقتصادي؛ فهي هوية، وتحدٍ، ومسؤولية – وأحياناً تكون فوق طاقة الاحتمال.
توازن دقيق، يجب ضبطه وإعادة تقييمه يوماً بعد يوم.
من الذي يعيش حقاً في هالشتات؟
هالشتات ليست متحفاً. ولا مدينة ملاهي. وليست مجرد “فلتر” لصورك على وسائل التواصل الاجتماعي.
إنها مكان يقطنه بشر حقيقيون. أطفال يذهبون إلى مدارسهم صباحاً عبر طرقات مغطاة بالثلوج. آباء وأمهات يتسوقون بين حشود السياح. وكبار سن يروون حكايات عن زمن لم تكن فيه هالشتات مشهورة عالمياً بعد.
يعيش هنا حرفيون، ومعلمات، وأصحاب متاجر، وصيادون، ومتقاعدون، ووافدون جدد. بعضهم يشعر بالفخر، وبعضهم بالإرهاق، والكثير منهم يشعر بالأمرين معاً في آن واحد.
وجميعهم يحملون هالشتات على عاتقهم، يوماً بعد يوم. فبينما يكتفي الآخرون بتصويرها للحظة عابرة، يعيشونها هم بكل تناقضاتها، وكل تحدياتها، وكل جمالها.
عندما تزور هالشتات، فافعل ذلك بعينين مفتوحتين. ليس فقط من أجل المناظر الطبيعية – بل من أجل الناس. من أجل الحياة التي قد تغفل عنها لولا ذلك.
لا تكن مجرد سائح، بل كن ضيفاً.
غادر “هالشتات” كما وجدتها أول مرة. ربما بذاكرةٍ أثرى بالصور، ولكن بلا أثر، بلا صخب، وبلا ادعاء.
فهذه القرية لا تنتمي للعالم؛ بل هي، أولاً وقبل كل شيء، ملكٌ لأهلها.
ولعلَّ هذا ما يجعلها – ربما – أكثر جمالاً.
تعرّف على “هالشتات” الحقيقية؛ احجز جولتكم واكتشف كيف يعيش أهلوها حقاً، بعيداً عن صور البطاقات البريدية.